[gdwl]أهمية السيرة النبوية بالنسبة للأفراد والمجتمعات [/gdwl]

المقدِّمـــــــة
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على إمام المتَّقين وقدوة النَّاس أجمعين رسول ربِّ العالمين محمَّد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فهذا بحثٌ عن أهميَّة السِّيرة النَّبويَّة لحياة المسلمين وحاجتهم؛ بل وضرورتهم إلى معرفتها والاهتداء بهدي صاحبها صلى لله عليه وسلم ، والذي سيكون طريقَهم لبناء الجيل الذي يؤمِّلُ إجادةَ صناعة الحياة الصَّحيحة، والعودة بالأمَّة إلى سابق عهدها وسلفها الصَّالح، والخروج من المأزق الذي تعيشه؛ فما أحوج أمَّة الإسلام اليوم إلى بناء النُّخبة وثلة النَّصر التي تفهم الرِّسالة، وتدافع أقدار الله بأقدار الله، وتؤسِّس للنَّهضة الحضاريَّة بمفهومها الصَّحيح كما صنع أسلافها من أصحاب نبيِّنا صلى لله عليه وسلم ،
إنَّ البناءَ العقديَّ الإيمانيَّ المؤسَّسَ على الحقائق والبراهين هو القاعدة التي عمل النَّبيُّ صلى لله عليه وسلم ، على ترسيخها طوال مدَّة الرِّسالة، وكان الوحي يتنزَّل عليه مرة تلو الأخرى مؤكِّدًا على هذه الحقيقة؛ لأنَّ العقيدةّ هي نبعُ التَّربية وميزان السُّلوك وحَجَرُ الزَّاوية في الفكر والتَّوَجُّه، ومع البناء العقديّ كان البناءُ السُّلوكيُّ الأخلاقيُّ والاجتماعي والاقتصادي بل والسِّياسيّ يسير جنبًا إلى جنب متكاملة ومتوازية في نسق واحد؛ جمعًا لشتات النَّفس وتوجيه الهمّ ليكون همًّا واحدًا، وبذلك نمت الأمَّةُ وتكاملت شخصيَّتُها واشتدَّ عودُها، وأثمرت علمًا وأدبًا وحضارةً باسقةَ البناء وارفةَ الظِّلال، بسطت أشعَّتَها ونورَها على البشريَّة فأخرجتها من ظلمات الجهل والظُّلم والاستكبار إلى نور الحقِّ والعدل والرَّحمة والمساواة والإنسانية في أصدق معانيها وأجلى صورها.
وإنَّ دراسةَ السِّيرة بهذه المعاني العميقة والمفاهيم الواضحة ستُضفي على دارسها الأمنَ والطُّمأنينة وسعادة الحياة والرغبة المستمرة في الدراسة والتأمل في دلائلها وفوائدها.
فإذا تربَّى على هذه المعاني والأهداف العالية ارتفعت همَّتُه وسَمَت رغبتُه إلى ما هو أعلى وأغلى من كلِّ هذه الدُّنيا ممَّا أعدَّه الله لعباده المتَّقين؛ فإنَّ موضعَ السَّوط في الجنة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ونصيف المرأة– أي خمارها– خير من الدُّنيا وما فيها.
وليس معنى هذا إهمال الدنيا كما فهم طائفة من الناس؛ وإنَّما المنهج الرَّبَّانيُّ منهجٌ متكاملٌ ومتوازنٌ، والدنيا هي دار العمل ومزرعة للحصاد في الأخرى، وعمارتها وفقَ أحكام الله وشرعه مطلبٌ شرعيٌّ وتوجيهٌ نبويٌّ.
ولقد حرصتُ على الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النَّبويَّة الصَّحيحة؛ لأنَّ البناءَ العلميَّ والتَّربويَّ لابدَّ أن يكون مؤسَّسًا على نصوص ومصادر موثوقة؛ حتَّى يصحَّ التَّأَسِّي والاقتداء.
وأسأل الله- سبحانه وتعالى- أن ينفعَ به ويجعلَه من العمل الخالص لوجهه؛ إنَّه سميعٌ مجيبٌ.

تعريفُ السِّيرة النَّبويَّة
السِّيرةُ لغةً: .
قال ابنُ منظور: «السِّيرةُ: الطريقة. يقال: سار بهم سيرةً حسنةً. والسِّيرةُ: الهيئة، وفي القران الكريم: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) طه: 21].
وفي كتاب لسان العرب < سيَّر سيرةً: حدَّث أحاديثَ الأوائل>
السِّيرةُ اصطلاحًا: لها دلالات متنوعة؛ فقد تكون مرادفةً لمعنى السُّنَّة عند علماء الحديث؛ وتعني طريقة النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم عند علماء العقيدة والأصول، كما تعني عند علماء التاريخ أخبارَه ومغازيه صلى لله عليه وسلم . وهذه الدلالات والمعاني ليست متضادَّةً؛ إنَّما هي متنوِّعةٌ ومتكاملةٌ.
وبهذا نستطيع أن نقول في تعريف السِّيرة النَّبويَّة اصطلاحًا: هي دراسة حياة النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم وأخباره وأخبار أصحابه على الجملة ، وبيان أخلاقه وصفاته وخصائصه ودلائل نبوَّته وأحوال عصره؛ فالسِّيرةُ النَّبويَّة تشمل كلَّ ما يتعلَّقُ بالنَّبيِّ صلى لله عليه وسلم ، وأحوال عصره، وأخبار أصحابه ؛ لأنَّ السِّيرةَ هي: فعله صلى لله عليه وسلم وإقرارُه لفعل أصحابه رضي الله عنهم ;كما قال. ابن تيمية في مجموع الفتاوى 7/ 18.
وسيرةُ النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم ليست مجرَّدَ حوادث تاريخيَّة تؤخَذُ منها العبر والعظات فحسب؛ وإنَّما هي فوق هذا كلِّه؛ إنَّها تجسيدٌ عمليٌّ للوحي الذي يقتدى به، وهي منهج سليم واضح يهتدى بهداه، وصراط مستقيم يُسلك ويُتَّبع؛ لأنَّها منهجٌ معياريٌّ غيرُ خاضع لحدود الزَّمان والمكان؛ بل تقاس إليه الأعمال والمواقف، وتعاير عليه الاجتهادات والآراء، وتوزن بميزانه الحقِّ.
يقول الدكتور فاروق حمادة: «السيرة النَّبوية تجسيدٌ حيٌّ لتعاليم الإسلام كما أرادها الله تعالى أن تُطبَّقَ في عالم الواقع؛ فتعاليمُ الإسلام لم تنزل لتُحْصَرَ بين جدران المساجد وداخل أروقة بيوت العلم الشَّرعيِّ وكليَّاته؛ بل تنزَّلت من الحكيم العليم لتكون سلوكًا إنسانيًّا ومنهجًا حياتيًّا يعيشها الفردُ المسلم في نفسه وشخصه، ويدركها في واقعه ومجتمعه، ويشبُّ عليها؛ فتصبحَ جزءًا لا يتجزَّأُ من كيانه، يتصرَّف على هديها في كلِّ صغيرة وكبيرة، وفي كلِّ موقف وشأن؛ فالمبدأُ النَّظَريُّ يُرى ماثلاً قائمًا في شخص صاحبه؛ وهذا ما نجده في السِّيرة النَّبويَّة؛ حيث كان رسول الله صلى لله عليه وسلم يجسِّم تعاليمَ الإسلام كما أرادها اللهُ تعالى أن تُطَبَّقَ في عالم الأحياء والبشر.
أهمية دراسة السِّيرة النَّبويَّة
إنَّ دراسةَ السِّيرة النَّبويَّة ليست كدراسة سيرة بطل من الأبطال فحسب– وإن كان هو r بطل الأبطال– فلا تقرأ وتتعلم لأجل المعرفة أو إشباع رغبة حبِّ الاستطلاع وزيادة الرَّصيد المعرفيّ فقط؛ بل يجب أن تكون الدِّراسة للسِّيرة النَّبويَّة ذاتَ أهداف واضحة ومرتبطة بمقاصد الشَّريعة وأحوال المتعبِّدين،
إنَّ هذه السِّيرةَ العطرةَ مليئةٌ بالكنوز والدُّروس والعبر التي لا يدركها إلَّا مَن تعلَّمها بقصد الاتِّباع لصاحبها عليه الصَّلاة والسَّلام، والتربية على مقاصدها وعبرها؛ فهي مادَّةٌ تربويَّةٌ سلوكيَّةٌ تبني الشَّخصيةَ السَّويَّةَ المتكاملةَ وتُقَوِّمُ السُّلوك المعوجّ.
إنَّ المناهجَ التَّربويَّةَ والدَّعوات الإصلاحيَّة ستكون قاصرةً وناقصةً- بل خاسرةً وباطلةً- إذا لم تقتبس من هدي المصطفى r وتلتزم به اعتقادًا وسلوكًا ومنهج تفكير.
أهمية السيرة النبوية في فهم النُّصوص الشَّرعيَّة
تظهرُ أهميَّةُ السِّيرة النَّبويَّة في التَّكامل والشُّمول في فهم النُّصوص الشَّرعيَّة، وضرورة الاقتداء والتَّأَسِّي بالرَّسول r في كلِّ جوانب الحياة، والتَّعامُل مع نصوصها الصَّحيحة الثَّابتة بكلِّ تقدير واحترام؛ وقد يَسَّرَ اللهُ لهذه السِّيرة مَن يقوم على حفظها والعناية بأدقِّ تفاصيلها؛ حتَّى كأنَّك تنظر إلى صاحبها وأحواله رأيَ العين، والتاريخ شاهدٌ على أنَّه ليس في الدُّنيا أحدٌ يصحُّ أن تكون سيرتُه من الوضوح والكمال والصِّدق غير سيرة محمد r وحياته.
والسِّيرةُ النَّبويَّة معينٌ لا يَنْضَبُ وتراثٌ لا يَبْلَى لكلِّ مَن رجع إليها وتأدَّب بأدبها واقتبس من مشكاتها، وقد فقه الصَّحابةُ- رضي الله عنهم- هذه المعاني في السِّيرة، وأدركوا أهميَّتَها؛ فكانت مع القرآن الكريم هي منهج التَّربية للأجيال ومادَّة البناء الفكريّ والسُّلوكيّ، ومَحَطّ الاهتمام والعناية.
يقولُ عليُّ بن الحسين زين العابدين : (كنَّا نعلِّم مغازي رسول الله r كما نعلِّم السُّورةَ من القرآن ) ابن كثير: البداية والنهاية 3/ 424
وكان إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص ( يحفِّظ أبناءه مغازي رسول اللهصلى لله عليه وسلم ويعدّها عليهم، ويقول: «هذه مآثرُ آبائكم فلا تضيِّعوا ذكرَها(
فقد جعل الله هذه الأمة وسطًا ؛ أي عدولاً وخيارًا، وجعلها شهيدةً على الناس جميعًا، ورسولها صلى لله عليه وسلم هو خاتم الرُّسل وأفضلهم، وهو شهيد على أمته بإبلاغها ما أُنزل إليه من الوحي، وببيان الوحي المتلوّ بسنَّته القوليَّة، وبسنته الفعليَّة، وبتقريره؛
قال تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم: 3، 4.
أهمية السيرة النبوية بالنسبة للأفراد والمجتمعات
وقد مرَّت حياةُ الرَّسول صلى لله عليه وسلم بمراحل وأطوار مختلفة، وجعل اللهُ في سيرته وتصرُّفاته تنوُّعًا وشمولاً لكلِّ جانب من جوانب الحياة ومواقفها المتغيِّرة؛ لتكون مساحةُ الاقتداء والتَّأَسِّي واسعةً وشاملةً لكافَّة القُدُرات البشريَّة بفروقها الفرديَّة وسجاياها الفطريَّة؛ فالرسول r قدوةٌ لكلِّ المسلمين على مختلَف عصورهم وتعدُّد مواقعهم الجغرافية وأحوالهم العلميَّة ومراكزهم الإداريَّة؛ قال تعالى }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا{ الأحزاب: 21، 22.
ـــــــــــــــــــــ
هذا الموضوع مقتبس من بحث لفضيلة د. محمد بن صامل السلمي
-------
أهمية السيرة النبوية في فهم الإسلام من كتاب فقه السيرة للشيخ رمضان البوطي
قال رحمه الله ليس الغرض من دراسة السيرة النبوية وفقهها , مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية ولسرد ما طرف أو جمل من القصص والأحد وإنما الغرض منها : أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والغرض من دراسة السيرة النبوية وأهدافها ـ
1- فهم شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم (النبوية) من خلال حياته وظروفه التي عاش فيها , للتأكيد من أن النبي عليه السلام لم يكن مجرد عبقري سميت به عبقريته بين قومه, ولكنه قبل ذلك رسول الله بوحي من عنده وتوفيق من لدنه
2. أن يجد الإنسان بين يديه المثل الأعلى في كل شان من شؤون الحياة الفاضلة , كي يجعل منها دستورا يتمسك به ويسير عليه ولا ريب إن الإنسان مهما كان سوف يجد في شخصية الرسول الكريم ما يعينه على ذلك فالرسول هو الطبيب وهو المربى وهو التاجر وهو القائد وهو الأب الحنون وهو الزوج المثالي .ولذا جعله الله العلى القدير قدوة للإنسانية كلها إذ قال:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
3. سوف يجد الإنسان في دراسة السيرة النبوية ما يعينه على فهم كتاب الله تعالى وتذوق روحه ومعانيه ومقاصده إذ إن كثيرا ان من آيات القران إنما تفسرها الإحداث التي مرت برسول الله ومواقفه منها
4. أن يتجمع عند المسلم قدرا هاما من الثقافة والمعارف الصحيحة الإسلامية سواء ما كان منها متعلقا بالعقيدة أو الأحكام أو الأخلاق من خلال السيرة النبوية ودراستها ,إذ لاريب أن حياته عليه السلام إنما هي صورة مجسدة نيرة لمجموع مبادىء الإسلام وأحكامه
5. أن يجد الداعية إلى الله والمعلم المسلم في السيرة النبوية نموذجا حيا من التربية والتعليم, فلقد كان محمد صلى الله عليه وسلم معلما ناصحا ومربيا فاضلا فقد تلمس أجدى الطرق الصالحة إلى التعامل الحسن حتى مع أعدائه
ــ فحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تقدم نموذجا لكل أصناف البشر كيف ما كانت مسئولياتهم في الحياة .
ـ فالشاب يجد في النبي عليه السلام ما يأخذ بيده إلى جادة الصواب
ـ والأب يجد في النبي عليه السلام ما يعينه على تربية أولاده وبناته تربية إسلامية محمدية
ـ ويجد راعي الغنم في سيرة رسول الله صلى الله علي وسلم القدوة الحسنة
ـ ويجد التاجر الصدوق المُثل العليا في الرسول صلى الله علي وسلم لأنه صلى الله علي وسلم التاجر الأمين
ـ والداعية إلى الله يجد ما يعينه في طريقه الدعوية من إسداء النصيحة والموعظة الحسنة ولا يلتفت إلى الوراء إلى الذين يعيقون سير الدعوة إلى الله من أصحاب الأفكار التافه المكفرة إلى العلماء والعوام الذين يعتقدون إنهم هم المسلمين وغيرهم ضالون وان كانوا يصلون يصومون ويزكون ...
ـ ويجد القاضي العادل في سيرة النبي عليه السلام ما يعينه على الحكم بالعدل وإبعاد الظالم وإنصاف المظلوم
ـ ويجد رئيس الدولة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يجعله الحاكم العادل الذي يحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
ـ الحاكم يجد في نظام دولة النبي صلى الله عليه وسلم ما يعينه على تسيير شؤون دولته